أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

166

العقد الفريد

فقبّل رأسها وودعها ، وضمته إلى نفسها ، ثم خرج من عندها فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إن الموت قد تغشّاكم سحابه ، وأحدق بكم ربابه « 1 » ، واجتمع بعد تفرّق ، وارجحنّ بعد تمشّق ، ورجس « 2 » نحوكم رعده ، وهو مفرغ عليكم ودقه « 3 » ، وقائد إليكم البلايا تتبعها المنايا ، فاجعلوا السيوف لها غرضا ، واستعينوا عليها بالصبر . وتمثل بأبيات ، ثم اقتحم يقاتل وهو يقول : قد جدّ أصحابك ضرب الأعناق * وقامت الحرب لها على ساق ثم جعل يقاتل وحده ولا يهدّه شيء ، كلما اجتمع عليه القوم فرّقهم وذادهم ، حتى أثخن بالجراحات ولم يستطع النهوض ، فدخل عليه الحجاج فدعا بالنطع فحز رأسه هو بنفسه في داخل مسجد الكعبة ، لا رحم اللّه الحجاج ! ثم بعث برأسه إلى عبد الملك بن مروان ، وقتل من أصحابه من ظفر به ؛ ثم أقبل فاستأذن على أمه أسماء بنت أبي بكر ليعزيها ، فأذنت له ، فقالت له : يا حجاج ، قتلت عبد اللّه ؟ قال : يا ابنة أبي بكر ، إني قاتل الملحدين . قالت : بل قاتل المؤمنين الموحدين . قال لها : كيف رأيت ما صنعت بابنك ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك ، ولا ضير أن أكرمه اللّه على يديك ، فقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل ! هشام بن عروة عن أبيه قال : كان عثمان استخلف عبد اللّه بن الزبير على الدار يوم الدار ، فبذلك ادّعى ابن الزبير الخلافة . محمد بن سعيد قال : لما نصب الحجاج راية الأمان وتصرّم الناس عن ابن الزبير ، قال لعبد اللّه بن صفوان : قد أقلتك بيعتي وجعلتك في سعة « 4 » ، فخذ لنفسك أمانا .

--> ( 1 ) الرباب : السحاب الأبيض . ( 2 ) رجس : اشتد . ( 3 ) الودق : المطر . ( 4 ) السعة : الدعة والغنى والرفاهية .